|
من
مذكرات الرفيقة بيريفان جزرة
|
|
|
بيريفان، ها أنت تغزلين الفجر لوناً على جبين
فتيات كردستان، تضمين القلب للقلب، والروح للروح،
لتعود جدتنا ستير تضلل بجناحيها بناتها وأبنائها
التائهين منذ قرون في طرقات درب التبانة.
أيتها القوة الخفية المانحة أنغام الحياة الجديدة
لقلوبنا الغافية في دياجين الليالي الطويلة. أيتها
الإنسانة الجميلة التي أحببتها وأخذت أسمها، وها
أنذا أحاول السير على طريقها...
شهادتها، زادت معرفتي بقوانين الجور والظلم التي
جعلتنا نعيش في لجة العاصفة. أجل، وقتها عرفت أن
أنظر إلى شروق الشمس على جبتها، وأعجبن أيامي
بجهادها، وأغزل من بسمتها تاجاً يكلل كبريائي.
قررت جعلها شريعة لأيامي القادمة، وسراجاً ينير
طرقات حياتي المبهمة، وأنا الضعيفة على أبواب
الشقاء.
استشهدت بيريفان في بيت أختي، شهادتها هزت وجداني
الفتي، كما هزت كيان كل يقظ من أبناء جزره بوطان.
قبل أن أعرف الكثير من أسرار الحياة، أخذت طريقي
إلى مملكة بريفان، في جبل جودي، سرت في أثرها نحو
بقايا سفينة النبي نوح، ربما أستلهم منها قليل من
المعرفة، يغنيني ويفتح لي أبواب المجد والخلود.
سرت برفقة قلندر إلى موطنه شاخي، بعدها هولر،
قاصدين جودي؛ ذلك الجبل الذي وحد بين تاريخنا
الماضي ومستقبلنا، وحمل سفينة جدنا نوح، وأنقذ
العالم من الغرق، ها هو اليوم يحمي أبناءه من
أشرار الطورانيين السكارى بشرب دم أخواتنا
وأخوتنا، والمتلذذين بحرق قرانا كما فرح نيرون
بحرق روما.
ثلاث أشخاص سرنا سوية، جمعتنا هذه الرحلة الجبلية،
أنا التي حملت اسم بيريفان، وتركت بقايا الهوية
الممسوخة التي اختارتها لي دوائر الدولة الرسمية،
رغم إرادة أبي وأمي، والرفيق قلندر، العضو في
مليشيا الحزب السريين، والدليل يسير أمامنا، وكل
ما نحمله معنا بندقية صيد نآمن بها أعين الشر
الطامعة، ونطغي على سفرتنا طابع رحلة قنص.
كنت أتراقص طرباً على نغمات الريح وهي تلاعب
ضفائري، وأقطع الثرى محلقة بأحلامي الطفولية في
البعيد، وأنا الفضولية التي تكتشف أبجدية الحق
والظلم.
وأنا أنظر في الأفق البعيد، سمعت الدليل وهو يشير
لنا بالارتماء أرضاً، بعد أن ظهرت أمامنا ظلال
أشباح. ارتميت خائفة، وأنا الصغيرة التي لم تفهم
من هذا المسير أكثر من كونه رحلة ربيعية إلى أحضان
جودي لأصبح مقاتلة، لم أعرف أبعد، ولا أكثر من ذلك.
نصف ساعة مضت، سقطت من الأعالي إلى حقيقة الواقع،
والخوف يعصر قلبي، ويزيد من ضرباته، لا أعرف ماذا
أفعل؟ لكني أثق بالرفيقان قلندر والدليل، أراقبهم
بدقة لأتبعهم فيما سيقدمون عليه.
لم تتقدم الأشباح، ولم تتراجع، بقيت دون حراك،
هادئة في سكينة الليل، عرفنا بعد حين إنها ظلال
أشجار. ضحكنا معاً، قمنا وتابعنا سيرنا حتى وصلنا
إلى شاخي لنأخذ بعض الحاجيات، وننعم باستراحة
قصيرة.
تابعنا السير في الثالثة ليلاً، قاصدين أحد مراكز
الكيريللا التي يعرفها الدليل في جودي. قواعد
الكيريللا، كلمة لم أعرفها من قبل، كنت أتكلم
وحسب، دون أن يكون في بالي موضوع معين، أسأل،
وأتحدث، حتى دون أن أنتظر الجواب. جف فمي وأنا
أتحدث، طلبت منهما ماءً. نظرا إلى بعضهما ضاحكين،
رد قلندر:
ـ عندما نصل الوادي.
جلست في مكاني، قلت:
ـ لن أتحرك من هنا إن لم تأتوني بالماء...
أقنعاني بما قالا، سرت في أثرهما، وصلنا إلى
الوادي الأول والثاني والثالث، دون أن نصل إلى
الماء. أكثرت الكلام، والاحتجاج، بعد طول مسير،
أتوني ببعض الماء، لا أعرف من أين. تقدمنا من خلال
الليل حتى وصلنا إلى مكان، أخبروا الرفاق عن طريق
الإشارات بقدومنا.
لقينا أبناء الجبل، كانوا خمس عشر مقاتل ملفحين
بسمرة ناجمة عن فعل الطبيعة، تلفهم هالة من العظمة
والوقار بوقفتهم الجدية المهيبة، بينهم رفيق صغير
في مثل عمري، يدعى جودي. بعد أن رحبوا بنا، صرت
أتحدث بينهم دون تكلف، أريد أن أشبع فضولي وتطفلي.
سأل أحدهم الرفيق قلندر، قال:
ـ ما تزال صغيرة، هي من أين؟
أجابه الرفيق قلندر:
ـ من جزرة بوطان.
تدخل أحد الرفاق، قال في لجهة مزاح:
ـ هل أتت لنا بالمحشي؟ ما ألذ طبخات أهل جزرة...
كانوا ينظرون لي نظرتهم لطفلة، يودون مجاراتها
فيما تريد. سألني الرفيق باران، مسئول منطقة جودي
وجزرة؛ المعروف في المنطقة، قال:
ـ أنت من أين؟
ـ من جزرة.
ثم أضفت:
ـ أنت قريبي يا رفيق باران.
لم يجاوبني، بقي جامداً وقد بدت علامات الاستياء
على وجهه. نظرت حولي، كل الرفاق صامتين، بعضهم
يدخنون سجائرهم، وبعضهم يشربون الشاي. لم أعرهم
الاهتمام. بل تابعت حديثي وقلت:
ـ هل تعرفون لماذا جئت؟
لم يجاوبني أحدهم. بعد أن تفحصت وجوههم واحدة
واحدة، قلت:
ـ جئت من أجل العميل خيرو، سوف أقتله.
كان خيروا جالساً بين الرفاق يستمع لي، دون أن
أعرفه. تدخل أحد الرفاق، حاول مجاراتي لتغيير
الموضوع.
عرفت فيما بعد إن الشبهات كانت تحوم حول العميل
خيرو، وكان الرفاق يحققون معه، وما زالت التهم غير
مثبتة عليه. ما مضت إلا أيام معدودة حتى ذهب مع
خيرو رفيقان، نزلا إلى شرنخ، وقاما فيها بعملية
كبيرة.
أيام ثلاث مضت، وفي اليوم الرابع أعطوني سلاح ذا
أخمص طي، لكنه لا يطوى، عليه مخزن مليء بالطلقات.
ولكن لم يكن لدي طلقات غيرها، قال لي أحد الرفاق:
ـ اسرقي بعض الطلقات من الرفاق لتتدربي بها.
صدقت ما قاله. بعد أن تناولنا طعام الغداء، عمل
الرفاق على تنظيف أسحلتهم. بينما كانوا منشغلين
بالتنظيف، مررت عليهم وأخذت عدة طلقات من طلقات كل
رفيق، تجاهلوا فعلتي الطفولية هذه. أما أنا فقد
فرحت كثيراً بما فعلت، وقد فزت بغنيمة.
حدثني الرفاق فيما بعد عن القوانين والقواعد
العسكرية، قالوا:
ـ ... لا يجوز أخذ طلقات الرفاق، ولكن أنت لا
تعرفين بعد تلك القوانين.
نظفت سلاحي أسوة ببقية الرفاق، وما أن أنهينا
التنظيف، حتى قمت لأضع أبريق الشاي على النار. كان
بعض الرفاق ينظرون بالمنظار جهة شرناخ، سمعتهم
يقولون:
ـ بدأ التمشيط يا رفاق.
كانوا متأهبين، قال الآمر باران:
ـ هيا علينا أن نسرع، ونصل قبلهم إلى المرصد
الاستراتيجي.
أخذ الرفيق باران يد جودي، نسي أخذي معه، أما بقية
الرفاق فقد ركض كلٍ من جهته خلف الآمر. لم أعرف
معنى المرصد الاستراتيجي، لكنني ركضت في أثرهم.
كانوا يمدون لي يدهم من على الصخور، لأعتليها
بمساعدتهم، لكنني لم أمد لهم يدي، وقد ابتليت
بالطلقات التي سرقتها منهم، فكانت ثقيلة في جيوبي،
وتعيق حركتي.
كنت عطشى، جف حلقي، طلبت منهم الماء، لكنهم لم
يعطوني، قلت متأففة:
ـ ما هذا؟ لماذا لا تسقوني؟
وصلنا إلى الأعلى، عرف الرفيق باران إنه نسيني،
فقد بقيت خلفهم مع الرفيقان فرهاد وسردار، كلنا
كنا من منطقة جزره. أخذني الرفيق فرهاد عنده،
تمركزنا على العجل خلف حاجز على الطريق، كان على
شكل حجرين متوسطين حجماً، قريبين من بعضهما،
بينهما شق في الوسط. ارتميا على طرفيَّ، وأنا بقيت
وسطهما، في مواجهة الصدع، لم تكن الحجرتان كافيتان
لإخفائنا بشكل جيد.
بمجرد ارتمائنا خلف الحجران اللتان اتخذناهما
منهما ترساً، نظرت عبر الشق؛ لاحظت رأس جندي يظهر
أمامي. رميت نفسي فوق الرفيقين، خوفاً من أن
يصيبهما شيء. فأنا لا أعرف شيء، فقط أخاف أن
يستشهدا.
تقدم آمر الجند أمامهم. وضع قدماه على الحجرين
فوقنا، وأنا أنظر إليه من تحت قدميه في هيجان. كان
ظهر الأمر في جهتنا، ينظر إلى الجنود المنهكين
الصاعدين، يشتمهم ويأمرهم ليتخذوا مواقعهم على وجه
السرعة، وأنا كنت أنظر إليه من تحت بنظرات عيني،
دون أن أحرك جسدي.
كان ظهر الضابط في جهتنا، لو نظر أسفله، لتمكن من
رؤيتنا. وما زال الضابط يعطي تعليماته للجنود،
أفعلوا كذا وكذا... وأنا أخفي رأس الرفيقان سردار
وفرهاد في حضني، وقد جعلت من جسدي ترساً يحميهما،
وهما يضربانني بين الحين والأخر، وأنا أومئ:
ـ تمام.
لا أعرف ما حدث، نزل الضابط عن الحجر إلى الطريق،
مبتعداً خلف الجندي الذي رآني؟ بعد أن رأيت الضابط
يبتعد، قلت للرفيقان:
ـ قوما، ذهب الجندي والضابط.
قالوا مازحين:
ـ أيتها الخائفة، قطعت أنفاسنا.
لم أرد، قالا:
ـ لا، لا، أنت شجاعة، كنا نخاف أن تصرخي، لكنك لم
تفعلي ذلك.
بعد مرورهم، رفع الرفيقان رأسهما، قلت بعد أن
التقى نظري أحد الجنود يرمي ما بيده:
ـ يا رفاق الجندي رمى حجراً.
ردا معاً:
ـ ماذا قلتِ؟
في نفس اللحظة، دوى انفجار هائل.
كنت في مواجهة الشق، وكان نصيبي شظية من شظايا
الرمانة اليدوية التي انفجرت عندنا، أما الرفيقان
فقد تمكنا من الاحتماء بالحجران. لم أعرف إنني
مصابة، كل ما هنالك إنني أحسست بحرارة الدم السائل
على جسدي، وبعد لحظات، قلت لهما:
ـ أشعر بالدوخة.
لم يجرءا على التصريح لي وهما يريا شعر رأسي مبللاً
بالدم، يسيل نازلاً على ألبستي.
بدأ الاشتباك، وأنا لم أطلق السلاح سابقاً، كل ما
تعلمته من الرفاق تنظيفه. قمت من مكاني عدة مرات،
وضغطت يدي على الزناد، متخذة الجبهة الأمية هدفاً
لي. في كل مرة ضغطت فيها على الزناد، رشقت الجنود
بطلقات متتالية، يظهر إنني دون أن أعرف وضعت
السلاح على الرش. بينما كان الرفيقان يحاربان في
الجهة الثانية.
قال لي فرهاد الذي كان يتتبعني وهو يحارب:
ـ قتلت العدو.
ـ لا، غير صحيح، لم أقتل الجندي.
رأيت جندياً يسقط على ظهره، لكنني لم أعرف لماذا؟.
يبدوا إنني ضربت فك الجندي في المرة الأولى، وفي
المرة الثانية ظهر أحدهم، ويد الأخر،... قال سردار:
ـ أنت أصبته.
ـ لا.
ـ والله أصبته، أصبته صدفة، كنت تضربين رشاً،
فأصبته. كان الجندي عند الشجرة.
أنهيت المخزن، قال الرفيقان:
ـ لم يعد لديك طلقات؟
قلت فرحة:
ـ لدي، إنها في جيبي، سرقتها منكم.
ضحك الرفيقان.
استمر الاشتباك، قال فرهاد مشيراً للأعلى:
ـ يا رفيقة بيريفان، أرمي للأعلى، ربما يأتون من
هناك.
أطلقت عدة رشات متتالية. لم نكن نرى من في الأعلى.
كان الرفيقان يفكران في الانتحار إن لم نتمكن من
النجاة. سأل فرهاد، سردار:
ـ إن صرنا في الحصار، كيف ننهي بيريفان معنا؟.
كنت منشغلة بالضرب جهة المرصد.
يجاوبه سردار:
ـ إن وقعنا في الحصار، فهي رفيقة جديدة لا تعرف
شيء، سوف نقول" بيريفان، ما أحلى هذا البطيخ"،
عندما تمسكه، سوف تنفجر الرمانة بنا نحن الثلاث.
توقفت بعد حين، قلت:
ـ يا رفاق، أنا أرمي لكنني لا أرى أحداً في
الأعلى.
ضحك الرفيقان قالا:
ـ لا بأس.
مرت ثوان، وإذا بطائرة مروحية تحوم في الفضاء،
رماها الرفيق شرفان كندك رمو، المتمركز في الأعلى
من موقعنا بال BKS، تعالى هدير المروحية الذي
أنقلب فجأة إلى طقطقة غريبة.
سمعت الرفاق في الأعلى يقولون لشرفان:
ـ أصبتها...
قلت للرفيق فرهاد غاضبة:
ـ كنت تقول أرمي للأعلى، الرفاق في الأعلى، أنا
أسمعهم.
ـ إنها أصوات الجنود.
ـ لا، والله هو صوت الرفاق، أنا أسمعهم جيداً.
ـ ربما هم قروجيين.
قلت مصرة:
ـ لا، هم رفاقنا، لأنهم ضربوا المروحية، بعدها
قالوا" أسقطنا المروحية".
كنا في مواجهة الجنود، حذرني الرفيقان. كنت جالسة،
أتحين الفرصة لأرشهم مرة تالية. رأيت الجندي يطلق
علينا قذيفة صاروخية. مع الضربة سقطت على الأرض.
فكر الرفيقان بأني استشهدت. ساءت حالتها، وأنا لم
أحرك ساكناً. بعد نصف ساعة، رجعت إلى وعي، كانت
شظية من شظايا القذيفة قد أصابت ظهري، لكنني لم
أعرف وقتها. فرح الرفيقان عندما وجداني أتحرك،
قالا سوية:
ـ ها، لم يصيبك مكروه.
عندما عدت إلى رشدي، رأيت الرفيق فرهاد، يرشقهم
ببندقيته، قال لي وهو يلقي علي نظرة خاطفة:
ـ كنا نقول إنك مستشهدة، نفكر كيف نحمل جثتك.
ـ لم أستشهد، لكن ظهري يؤلمني كثيراً، أحس بالحرقة
في أحشائي.
نادى على الجنديان الجريحان، قال لهما:
ـ استسلما.
رد أحدهما بالكردية:
ـ لن أستسلم.
عرفنا إنه كردي من هكاري. قال له فرهاد:
ـ أنت كردي، لماذا تحاربنا؟
أجاب:
ـ لن أستسلم.
خاطبته أنا بالكردية، قلت له:
ـ تعال، لن نقتلك.
كان ذلك الجندي مصاباً في يده، والأخر مصاباً في
فكه لا يستطيع التحدث، قال فرهاد:
ـ حسناً، سوف أذهب لأتي بالجنود. رفيقة بيريفان
قومي بحمايتي، أطلقي بعض الطلقات الفردية خلفي حتى
لا يضربني الجنود؛ ربما يستسلموا وربما يقتلوني،
لقد تركا سلاحهما. وأنت يا رفيق سردار راقب تلك
الجهة.
قلت:
ـ تمام.
ولكن لم أعرف كيف أقوم بحمايته.
أنحنى فرهاد وصار يتقدم نحو مكان الجنود الجرحى في
الأسفل بحذر، مصوباً سلاحه للأمام. قال سردار
مشيراً:
ـ انتبهي يا رفيقة، أنا سأنتبه إلى هذه الجهة،
يظهر إن الرفاق في الأعلى، أنا أيضاً سمعت
أصواتهم. يجب أن نكون حذرين.
كان الضابط يتقدم نحو موقع الرفاق في الأعلى،
أصابوه بطلقة قنص في منتصف جبهته، سقط أرضاً في
جهة، وسقط سلاحه وجهازه من يده في الجهة الثانية.
أستمر الرفاق في ضرب الجنود المتقدمين.
تتبع سردار حركة العدو من طرف، وأنا تتبعت حركة
فرهاد من الطرف الثاني، كل فترة كنت أضغط على
الزناد، أضرب طلقة في الهواء خلف فرهاد. في المرة
التالية أطلقت طلقة، سقط فرهاد أمام عيني. قلت
للرفيق سردار مرعوبة:
ـ كان الرفيق فرهاد أمام ناظري، وعندما أطلقت خلفه
طلقة، سقط على الأرض، لا أعرف؟ رميت طلقة، رأيته
يسقط أرضاً على فمه.
ـ كيف حدث ذلك؟
ـ عندما ذهب قال لي" أرمي بعض الطلقات الفردية
أحياناً، عندما رأيت خطه على مرمى سلاحي، رميت
طلقة، رأيته يسقط على الأرض.
ـ ألم تصيبيه؟ هل استشهد؟
ـ أصبته، ولكن لا أعرف...
كان قلبي يضرب بشدة من الخوف، لا أعرف كيف يمضي
الوقت، وأنا أراقبه.
مرت نصف ساعة حرجة، بعدها رأيته يقوم، كانت الطلقة
مخترقة لحمة أذنه. توجه نحوي ملوحاً بيده أشارة
استياء، قلت لسردار، وقد شعرت ببعض الطمأنينة:
ـ قام الرفيق فرهاد.
ـ هل تصدقين القول؟
ـ أجل، لقد قام.
تقدم فرهاد على يديه وركبته نحو الجنديان
الجريحان. مضت فترة مرتبكة، ظهر إنه كان يحقق مع
الجندي المصاب في يده، بعدها سمعت صوت طلقة، قلت
لسردار:
ـ لقد قتل الجندي.
ـ لا.
ـ والله قتل الجندي، سمعت دوي طلقة، لا أعرف من
قتل من، ولكن أعتقد أن فرهاد قتل الجندي.
ـ ربما الجندي قتل الرفيق فرهاد.
ـ لا ، كان دوي سلاح الرفيق فرهاد( كويج).
سمعنا بعدها دوي طلقتان.
قال سردار:
ـ تمام، حاذري.
قال بعد حين:
ـ بيريفان، كيف هو وضعك؟
وأنا أمد يدي إلى ظهري مشيرة، قلت:
ـ ظهري يؤلمني، ها هنا.
ـ تمام، ربما أصابتك بعض الحجارة.
ـ ربما.
رأيت فرهاد قادماً، وكأنه خارج من بركة دموية، قال
عاتباً:
ـ ما هذا يا رفيقة بيريفان، لقد جرحتني.
كان في يده أسلحة الجنود، وهوياتهم، قلت:
ـ ماذا فعلت؟
ـ كانوا منتهين، بيريفان مزقت حنجرة أحداهما، ويد
الأخر وأحشائه....
وضع قبعة جندي على رأسي، خفت منها، رفعتها بعصا
صغيرة، قلت مشمئزة:
ـ كلها دم.
قال:
ـ جعلتني أطرشاً يا رفيقة بيريفان. لماذا فعلت
ذلك؟
ـ لا أعرف؟ أنت قلت أطلقِ، وأنا أطلقت.
صارت الساعة الثامنة ليلاً، وصلتنا التعليمات
بالانسحاب. عندما قالوا ذلك، لم يكن في إمكاني
السير، قلت وأنا ما أزال أجهل ما أصابني:
ـ يا رفاق ظهري يؤلمني كثيراً، لا أستطيع تحريك
ساقي.
ـ لا بأس، أعطينا سلاحك، وأمشي، ليس هناك شيء.
أخذوا سلاحي، والبارك، قالوا:
ـ حاولي السير.
وصلنا إلى النقطة، عندما اجتمع كل الرفاق، سأل
الرفيق باران:
ـ أين هي الرفيقة بيريفان؟
أجاب فرهاد:
ـ الرفيقة بيريفان قامت ببطولة في الحرب، قتلت
ثلاث جنود، وأصابتني بجرح، أنا لا أسمع الأصوات
بإذني اليسرى.
أبتسم الرفاق، عندما أعقب فرهاد بشرح وضعه، قالوا:
ـ الليلة لا نستطيع عمل شيء، غداً نقوم بتضميد
الجرحى.
سرنا متعبين من خلال الليل، وظلمة الوادي تلفنا في
حناياها. أشر لنا الدليل فجأة، كنا قد أخطأنا
الطريق. سرنا ثانية في الوادي لنعبر إلى الطرف
الثاني من جزره. كان الجنود منتشرين بكثرة في
الجوار. حاولنا التسلل من بينهم. ونحن نسير سمعنا
طقطقة علبة فارغة، توقفنا كلنا، قلنا:
ـ ربما هي حيوانات.
تقدمنا خطوات أخرى، رمانا أحدهم بحجر. لم نقف بل
تقدمنا أكثر، ظهر إننا كنا نسير نحو الجنود
النائمين، الذين يحرسهم مناوب لا أعرف إن كان
كردياَ أم تركياَ، لكن المناوب ضرب العلبة لينبهنا
بأن لا نتقدم، وعندما تقدمنا، رمانا بحجر، حتى
ننتبه ونغير طريقنا، لكننا تقدمنا أكثر، وعندما
عجز عن إيقافنا، صار يردد مقاطع من أغنية تركية
تقول(هنا موش، طريقها منحدر، الذاهب لا يرجع، عجبا
ما هذا...).
بسماعنا الأغنية صلبنا في مكاننا، رأينا الجندي في
الحراسة، وبقية الجنود مستسلمين للكرى. وبلمح
البصر، قال الرفيق باران مشيراً:
ـ هيا يا رفاق، أخر رفيق يكون دليلنا.
تراجعنا في الجهة التي أشار إليها الرفيق باران.
لم يكن مع كل رفيق أكثر من خمس عشرة طلقة، ولم يكن
من المجدي قتل الجنود النائمين.
سرت مع الرفاق وأنا أجرجر أوصالي المتعبة خلفي
بصعوبة. لم يعد في إمكاني السير، حملني الرفيق
ريناس حتى حل النهار، ونحن متوجهين إلى أعالي
الجبل. اختفينا في شق من شقوق الجبل.
تفحصت مواضع آلامي، لمحت الدم المتخثر على كتفي،
وقد التصق به القش وأوراق الأشجار، قلت متعجبة:
ـ ما هذا الدم؟
ضحك فرهاد وهو يقول:
ـ أصبت في رأسك بشظية، لم نكن نجرأ على أن نقول
لك، كنا نقول" إن قلنا لها، فهي فتاة ناعمة من
جزرة، سوف تصرخ...".
قلت في انزعاج، بلهجتي القروية:
ـ لماذا لم تقولوا لي ها؟
ـ لم نجرأ على أخبارك.
تفحصت ظهري، عرفت بإصابتي في العصعص، رأيت الرفاق
يضحكون ويتهامسون معجبين. قدم لي الرفاق ساعة هدية
على ما أبليته من بلاء حسن في ذلك الاشتباك.
غضب جودي، قال محتجاً:
ـ لماذا تعطونها للرفيقة بيريفان، ولا تعطوها لي؟
رجعت بعد أيام إلى جزرة للانضمام إلى فعاليات
الجبهة الشعبية، قالوا لي:
ـ عندما يتم القبض على أحد، يجب أن يقول هذا
الكلام...
كان المخبر خيرو المدسوس بين الرفاق يعطي
المعلومات للدولة عن كل شاردة وواردة تخص الرفاق
وتحركهم. فما أن وصلت إلى جزرة حتى قبضوا علي.
ضربوني كثيراً، لكنني أنكرت كل شيء. عندما سمع
الرفاق الخبر قاموا بعملية من أجلي.
بقيت في أيديهم يومان، أذاقوني ما حل لهم من أنواع
التعذيب، وهم المتفننين في تعذيب الإنسان، وكأنها
مهنتهم. تفتحت الجروح في جسدي، نزف فمي، لكنني
قاومت. فما كان منهم إلا أن يتركوني وشأني بعدما
رأوا إصراري وإنكاري، ووحدة أقول في التحقيق من
أقوال عائلتي.
ما مضى شهران، وأنا أتابع نشاطاتي الجبهوية، وهم
يحاولون القبض علي ثانية، حتى استسلم بدران، مع
ريناس الذي حملني على ظهره بعد أن جرحت في جودي.
حاصروا بيتنا في الليلة التي جئت لأودع عائلتي
فيها، وأذهب إلى جودي، مملكة بيريفان ثانية.
حاصروني، عذبوني كثيراً، قاومت بعزم بيريفان،
رفيقتي التي أخذت أسمها، وسرت في طريقها. قبض على
الكثيرين من سكان المنطقة، أدلى ريناس وبدان
باعترافاتهما من أجلي، لكنني قلت:
ـ أنا لا أعرف الجبال حتى أن قتلتموني...
حاولوا أن يجعلونني معترفة أعمل معهم. كان ريناس
يقول وهو ينظر في عيناي بتبجح:
ـ بيريفان، يا رفيقة بيريفان، أنا حملتك مع
السلاح، سرت بك نحو الأعلى.
كنت أقول:
ـ لا، ربما كانت واحدة تشبهني.
رأيت الموت بأم عين. عرف الشعب والرفاق والأطباء
بمقاومتي، بدأت الإضراب عن الطعام. قال لي الحراس:
ـ أنت الفتات الثانية التي تقاوم إلى هذه الدرجة،
وما تزالين في هذا العمر الصغير. كان يقصد بالفتاة
الأولى، بيريفان( بنفش آكال).
خلعوا أظافري، علقوا ثدياي بالكهرباء... قلت لهم:
ـ أن عذبتموني أكثر، أعرف ما أفعل؟
قالوا:
ـ فقط قولي ما هو اسمك.
جاوبتهم في عناد وإصرار:
ـ لن أقول، الهوية معكم، حتى لو قتلتموني لن أقول
لكم أسمي.
كان في السجن أكثر من مئة سجين، قلت لهم:
ـ سوف أدخل في صيام الموت، أما أنتم فقط أبدؤوا
معي الإضراب عن الطعام.
بكى الرجال العاجزين على حالي عندما كانوا يرون
الجندرمة يكوون جسدي بالنار، ويشدون شعري الطويل،
يلطمون وجنتاي... كانوا يقولون:
ـ إنها تقاوم في هذا العمر الصغير.
بقيت ثمانية عشر يوم، قام شعب جزرة بمسيرة من
أجلي. بعدها رحلوني إلى سجن ديار بكر، هناك أيضاً
أنتقض الشعب من أجلي، رغبوا أن يخطفوني من أيدي
الجنود، كما حاولوا خطف بيريفان الجريحة من يد
الجندرمة الذين أحاطوا بها وعذبوها قبل شهادتها.
لم أستسلم، ولم أنهار. كنت مغرورة بمقاومتي، التي
أخذتها من بيريفان، ومن روح شبيبة جزره العاصية،
ووطنية شعبها وتضحيتهم. كنت أعرف أنني أول فتاة
مقاومة من فتيات جزرة بوطان، وكنت فرحة بمقاومتي.
بعد شهران أطلق سراحي، وعدت إلى جبل جودي بعد أن
أخذت تجارب سنين خلال شهران عشتهما بين السجن
والتعذيب، تبخرت الأحلام الطفولية، وسرت في طريق
الثورة عن وعي وإدراك بروح متمردة، متعطشة للحق
والعدل.
من مذكرات الرفيقة بيريفان جزرة
|
|
الرئيسية
|